محمد متولي الشعراوي
1400
تفسير الشعراوى
لقد جاء الحق بالقول الحكيم : « وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ » وذلك لينبهنا إلى هؤلاء المتشبثين بكراسي الحكم وينزعهم اللّه منها ، إن المؤمن عندما ينظر إلى الدول في عنفوانها وحضاراتها وقوتها ونجد أن الملك فيها يسلب من الملك فيها على أهون سبب . لماذا ؟ إنها إرادة الخالق الأعلى ، فعندما يريد فلا راد لقضائه . إن الحق إما أن يأخذ الحكم من مثل هذا النوع من الحكام ، وإما أن يأخذه هو من الحكم ، ونحن نرى كل ملك وهو يوطن نفسه توطينا في الحكم ، بحيث يصعب على من يريد أن يخلعه منه أن يخلعه بسهولة ، لكن اللّه يقتلع هذا الملك حين يريد سبحانه . وبعد ذلك يقول الحق : « وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ » لأن ظواهر الكون لا تقتصر على من يملك فقط ، ولكن كل ملك حوله أناس هم « ملوك ظل » . ومعنى « ملوك الظل » أي هؤلاء الذين يتمتعون بنفوذ الملوك وإن لم يكونوا ظاهرين أمام الناس ، ومن هؤلاء يأتي معظم الشر . إنهم يستظلون ويستترون بسلطان الملك ، ويفعلون ما يشاءون ، أو يفعل الآخرون لهم ما يأمرون به ، وحين ينزع الملك فلا شك أن المغلوب بالظالمين يعزه اللّه ، وأما الظالمون لأنفسهم فيذلهم اللّه ؛ لذلك كان ولا بد أن يجئ بعد « تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ » هذا القول الحق : « وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ » . لماذا ؟ لأن كل ملك يعيش حوله من يتمتع بجاهه ونفوذه ، فإذا ما انتهى سلطان هذا الملك ، ظهر هؤلاء المستمتعون على السطح . وهذا نشاهده كل يوم وكل عصر . « وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ » . ونلاحظ هنا : أن إيتاء الملك في أعراف الناس خير . ونزع الملك في أعراف الناس شر . ولهؤلاء نقول : إن نزع الملك شر على من خلع منه ، ولكنه خير لمن أوتى الملك . وقد يكون خيرا لمن نزع منه الملك أيضا . لأن اللّه حين ينزع منه الملك ، أو ينزعه من الملك يخفف عليه مؤونة ظلمه فلو كان ذلك الملك المخلوع عاقلا ، لتقبل ذلك وقال : إن اللّه يريد أن يخلصني لنفسه لعلى أتوب . . إذن فلو نظرت إلى الجزئيات في الأشخاص ، ونظرت إلى الكليات في العموم لوجدت أن ما يجرى في كون اللّه من إيتاء الملك وما يتبعه من إعزاز ، ثم نزع الملك